تربية الأبناء .. ليست التربية بل الفهم

في احد محاضراتي للتنمية البشرية كنت أدرب مجموعة من الشباب الصغير وسألتهم عن أهدافهم التي يريدون أن يكونوها واندهشت عندما رأيت أهداف رائعة تدل على أن أفكار كبيرة تريد أن تخرج للحياة ، ولكن لننظر إلى الواقع فشبابنا الآن مختلف أفعالاً عن تلك الأحلام -إن صح التعبير- فنجد الشباب يضيعون أوقاتهم فيما لا ينفع ولا يهتمون بهذا النداء،وأنا اكتب هذه الكلمات واعلم الواقع الذي يحدث للشباب من حولي وبما أني شاب فسوف اكتب بعض الأسباب لهذا ولكن ليس دفاعاً عن الشباب فأنا اختلف معهم في أفعال كثيرة وإنما فقط إحساس بواقع نعيشه يومياً ، وإذا فرضنا أن نحل مشكلة فعلينا أولاً أن ننظر إلى جذورها ونستمع إلى المصدر وهم الشباب، وهنا أتذكر العادة الخامسة في كتاب العادات السبعة للناس الأكثر فعالية لدكتور (سيفن كوفي) حينما قال : افهم الآخرين كي يفهموك، فدعونا الآن نسمع إلى هؤلاء الشباب ونفهمهم ثم بعدها نوجهه نصائحنا الغالية إليهم.

إن شبابنا اليوم يعيش معترك قاس من الحياة فكأننا نرمى أطفالاً في مجالات صعبة ونريد منهم التغير والتقدم ، لو نظرنا إلى الشاب تجد بداخله الخير فعلاً انه يريد أن يغير الحال ويعمل ولديه أحلام كبيرة وطاقة كبيرة ، لكن عندما يخرج إلى الواقع يجد الحياة مختلفة تماماً، إذن فالفطرة موجودة لكن هي تذهب مع الاحتكاك بهذا العالم المتسارع حولنا عندما يخرج الشاب من بيت والديه ويبدأ بالاعتماد على نفسه يحاول أن يترجم أحلامه على أرض الواقع ولكنه يجد انه تنقصه الخبرة ولا يعرف شيء عن هذا العالم ولم يحاول احد إعطاءه الخبرة فالشاب في بيته والديه كل طلب له مُجاب من قبل الأب والأم من اجل أن يذاكر هذا الشاب ويتفوق ويدخل جامعة ذات مستقبل مُشرق مثل الطب والهندسة، إنها أمنيات آلاف من البيوت المصرية ولا أبالغ في القول بأنها أمنيات ملايين من الشعوب العربية ، لكن لماذا لا نأخذ قول الجانب الأخر هذا الشاب الذي من المفترض انه من سوف يحدد مصير حياته ، عندما سألت احد الشباب: ماذا تريد؟ فقال لي كلمة لم تبدوا لي غريبة لكنها جعلتني أرى الواقع بطريقة مختلفة ، لقد قال لي: لا أعرف، إنه الواقع فعلاً ومن غير خجل أقولها لقد كانت هذه الكلمة في معظم شبابنا وسواء عبروا عنها أو تظاهروا بأنهم يعرفون لكننا في الحقيقة في بعض الأحيان تكون الحقيقة صادمة ، لقد مررت بهذه التجربة وبكل لحظاتها وعشت هذه الكلمة بكل معانيها .ومعظم الشباب وليس الكل قد عاش هذه اللحظة التي تغيب فيها الفطرة عن الإنسان ويصبح لا يعرف الهدف المنشود الذي يريد ، ولكن من يشعر بهؤلاء في هذه الفترة ومن يستطيع أن يساعدهم ؟هل نستطيع أن نقول أن هذا الفراغ من الهدف والابتعاد عن الفطرة البشرية وحرية التعبير عنها هو أساس كل ما يحدث للشباب الآن، أنا في رأي أن هذا صحيح، إننا -وأنا أتكلم بصفتي شاب- نعاني من فراغ فكري كبير فلا نرى هذه الحقائق التي تريدون أنتم الكبار أن نفهمها بلغتكم التي لا نعرفها أصلاً، ولم يعلمها لنا احد وهذه الحقيقة التي تسعون لنصحنا بها بلغة لا نفهمها نشعر في أحيان كثيرة أنها اكبر منا أو لا تتناسب مع هذا العصر حولنا ونرى ذلك في كل أب وأم وعم وخال وكل ناصح اكبر منا سناً فنحن نعلم تماماً أن هذه الحكمة أو الأفكار الحياتية التي وصلتم إليها كانت بعد فترة الشباب والتجربة والمحاولة فلماذا تريدون أن تعلمونا أشياء انتم أصلاً تعلمتموها بلغة كبيرة بعد هذه المرحلة من الشباب .

ولنذهب ونرى آراء الآباء والأمهات رداً على هذا قائلين وبكل حبا لنا :نحن نريد أن تكونوا أحسن منا بكثير فنحن قد وقعنا في كل ما فعلتموه وكان آباءنا أيضاً ينصحونا بهذه الأفكار لكننا كنا لا نبالي بها كما تفعلون الآن تماماً لكننا بعدما كبرنا تأكدنا أنها هي الصحيحة تماماً .

ما الذي يحدث الآن إن الموضوع بكل بساطة أشبه بعدم تفاهم بين الأجيال سواء على مستوى اللغة أو الوعي وأخاف أن أقول انه الآن تحول إلى عدم تفاهم على المستوى الفكري ورغم أن الدوافع نبيلة لكلا الطرفين فالأول وهو الشباب يريد أن يحقق شيء لذاته ويرتقى ويفخر به والديه والأخر وهو (الآباء والكبار) يريدون أن يعلموا أبناءهم كل الأخطاء التي وقعوا بها والوصول إلى بر الأمان بأولادهم ،لكن أين المشكلة إنها في لغة الحوار بينهم وطريقة المعاملة الإنسانية الموجودة أو بمعنى أخر التي تربينا عليها منذ أكثر من مائه سنة فيجب على الطفل أن يسمع ويطيع كل ما يأتي إليه من أوامر منذ الصغر دون مناقشة أو السؤال لماذا افعل هذا؟ كأننا نبرمج جهاز كمبيوتر بطريقتنا ونخرج نسخ متكررة منا وكأننا نقول لماذا لا يتقدم المجتمع ؟ولماذا لا نتحرك للامام؟ لأننا ببساطة نفكر بنفس الطريقة التي أوجدنا بها مشاكل المجتمع كله ونخرج أطفال وشباب يفكرون بنفس الطريقة تماماً ،أنت متحامل علينا ونحن نريد أن نربي أبناءنا ، وأنا معكم تماماً ولكن الفكرة في طريقة التربية ،أياً كان طريقتك في التربية فأنا احترمك وهذه الفكرة لا تدور حول التربية لكني أريد فقط فكرة واحدة نضعها في اعتبارنا عندما نربي هذا الجيل الجديد دعه فقط يعبر عن هذه الفطرة الجميلة بداخله اتركه يتدرب على وضع بصمته في الحياة وينجز منذ صغره ما يريد هو ، لا ما تريد أنت ، وبعدها وجهه أنت لكل القيم التي تريد، لكن الفكرة تكمن أولاً دعنى اعبر ومن ثم وجهني وسوف تجدني ليناً بسيطاً بين يديك لأنك تركتني اعبر عن ما بداخلي.

وما اطلبه بشده الآن من كل أب أو أم أو شاب أو فتاة لنسعى إلى سماع الأخر وفهم ما يريد وما القيمة التي تكمن وراء هذا الكلام، وليكن لدينا دائماً روح الجماعة ونضع أنفسنا مكان الشخص الأخر لنصل إلى ما يشعر به ، عندها سوف نرى الحياة بطريقة أجمل مما كنا نتخيل وسوف نحترم أنفسنا ويحترمنا أولادنا أكثر مما نتخيل، ونحن أيضاً سوف نشعر أننا نحترم أفكار أولادنا ، فعملية التربية ليست كلام فقط وإنما هي انعكاس لتصرفاتنا في هذا الكون وكل ما نفعله سوف يتأثر به أولادنا سواء شئنا أو أبينا ، واليك عزيزي القارئ بعض الأفكار التي تساعدك على فهم أباك أو ابنك أو ابنتك أو أمك فنحن هنا نسعى ليفهم الجميع بعضهم البعض وهنا سوف نجد تلك الأسرة الجميلة المتماسكة .

1- البحث عن الجوهر داخل من أمامك :

إذا نظرنا للإنسان الذي أمامنا على انه قيمة كبيرة وانه يشبهنا تماماً كبشر وأن ما يفعله من سلوك ليس تعريف ولا يدل على إنسانيته بل هو سلوك من الممكن أن يعبر عن شخصيته أو لا يعبر ، وهنا سوف يجعلنا هذا التصور وهذه النظرة أكثر فهماً لأولادنا وآبائنا وهذا يتحقق عندما يبادر كل فرد في الأسرة لمسامحة الفرد الأخر والنظر إليه على انه مثله تماماً ، ولسهولة تنفيذ الفكرة تخيل نفسك مكان الطرف الآخر وانك من الممكن أن تفعل نفس السلوك لكن نيتك وراء هذا السلوك مختلفة وابدأ بالبحث عن النية الايجابية وراء هذا الفعل وسوف تفاجأ أن كل ما حدث كان محاولة لإقناعك بفكرة ايجابية لك لكنها فقط تم عرضها بطريقة لا تناسبك .

2- اسمع كل ما حولك :

لقد خلق الله لنا أذنين وفم واحد لنسمع أكثر مما نتكلم ، لكننا في أحيان كثيرة لا نسمع أبداً لمن حولنا ولا نعطي لهم الفرصة للتعبير عن ما بداخلهم وهنا نصطدم كثيراً لأننا ببساطة لا نعرف ما بداخل من نتعامل معهم ، لذلك علينا أن نسمع جيداً ما بداخل كل من يحاول أن يتصل بنا ويتعامل معنا وهنا سوف نعرف أشياء كثيرة لم نتوقعها .

أجعل يوماً واحد فقط لتستمع لابنائك دون أن تنصحهم حتى لو كانوا ما يفعلوه خطأ وشاهد النتائج، حاول أن تفهمهم وبعدها سوف تصل إلى ما تريد. أما إذا كان ابائنا لا يفهمونا فلنفهمهم أولاً ونعرف ما بداخلهم وعندها سوف نبدأ بالتواصل الفعال معهم.

3- تعاون انطلاقاً من النقط المشتركة :

هل فكرنا أن نستثمر الأسرة في عمل مفيد يجمعها كلها في شيء واحد مثل مشروع أو عمل يوحد هدفها في هذه الحياة ، إن كل فرد في الأسرة لديه طاقة وأفكار وإذا وحدنا تلك الأفكار بطريقة مشتركة وعمل واحدة سوف نخرج هذه الطاقة في شيء مفيد يفيد علاقتنا ويصل بنا إلى النجاح .

اقترح على أسرتك مشروع أو عمل خيري أو أي عمل يساهم كل واحد من أفراد الأسرة فيه بأفكاره وطاقته وهنا سوف تجد متعة لم تشعر بها من قبل .

اتمنى من اعماق قلبى ان نجعل الفهم هو عنوان التربية الاكبر و اتمنى ان ارى حياتنا سعيدة و راقية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *